محمد نبي بن أحمد التويسركاني
254
لئالي الأخبار
وحقيقة الصبر تجرّع الغصص عند المصائب واحتمال البلايا والريّان كما في مسكن الفؤاد ناسبا له إلى اللغة : الصّبر الحبس للنفس من الفزع من المكروه والجزع عنه وانما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب وأعضائه من الحركات الغير المعتادة وغاية الصّبر أن لا يفرق بين النّعمة والمحنة ويرجّح المحنة على النعمة للعلم بحسن عاقبتها والتصبر السّكون عند البلاء مع تحمّل أثقال المحنة عند عظمها قال الديلمي : صبرت ولم اطلع هواي على صبري * وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر مخافة أن يشكو ضميري صبابتى * إلى دمعتى سرّا فيجرى ولا ادرى وسئل عنه عليه السّلام : ما الصّبر الجميل ؟ قال : ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى النّاس ، والشكاية بمعنى الاخبار عن سوء وفي حديث قال النبي صلى اللّه عليه واله : جائني جبرئيل عليه السّلام فقال يا رسول اللّه ان اللّه أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحدا قبلك قال صلى اللّه عليه واله : ما هي ؟ قال : الصبر قال : فما تفسير الصبر قال . يصبر في الضرّاء كما يصبر في السرّاء ، وفي الفاقة كما يصبر في الغنى وفي البلاء كما يصبر في العافية فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : الصبر صبران : صبر على ما تكره ، وصبر عن ما تحبّ وقال عليه السّلام أيضا : الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن جميل وأحسن من ذلك الصبر عندما حرم اللّه عليك . وقال بعض : ست خصال لا يطيقها الا من كانت نفسه شريفة الثبات عند جذوب النقمة الجسمية . والصبر عند المصيبة العظيمة وجذب العقل عند دواعي الشهوة وكتمان السرّ عن الأصدقاء والأعداء والصبر على الجوع واحتمال الجار السوء وقال ذو النون الصبر أن تترك كلما يخالف الزهد في الدّنيا وتتحمل البلايا والمحن . ولو كنت فقيرا تظهر الغنى ولا تشكو ولا تظهر فقرك إلى الناس قط وان كنت مغموما أو مهموما كنت ضاحكا بشاشا بين الناس ويأتي في الباب في لؤلؤ أجر من لا يشكو مرضه ومصائبه إلى غير اللّه ويستر عمن سواه ثواب كتمان البلايا والمصائب والفقر . ثم اعلم : ان الصبر على ثلاثة أقسام أولها صبر العوام وهو حبس النفس على وجه التجلّد واظهار ثبات في النائبات ليكون حاله عند الناس مرضية « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » ولا ثواب عليه بل هو رياء محض .